في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا جزءاً لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد الهاتف الذكي مجرد وسيلة ترفيه أو رفاهية كما كان في الماضي، بل أصبح أداة أساسية للتعلم والعمل والتواصل وإدارة كثير من شؤون الحياة. فمن خلاله يتابع الطلاب دروسهم، ويبحث الشباب عن فرص العمل، ويدير التجار أعمالهم، كما يستخدمه المواطنون للوصول إلى الخدمات الرقمية والتواصل مع العالم. ومع هذه الأهمية المتزايدة، يبرز تساؤل مشروع: هل من المنطقي أن يتحول اقتناء الهاتف الذكي إلى عبء اقتصادي جديد يثقل كاهل المواطن؟
لقد أثار القرار المتعلق بفرض رسوم جمركية مرتفعة على الهواتف المحمولة جدلاً واسعاً، خاصة بعد أن انعكس بشكل مباشر على سوق الهواتف الذي يعد من أكثر الأسواق نشاطاً في العاصمة نواكشوط. فهذه السوق لا تمثل مجرد تجارة محدودة، بل تشكل قطاعاً اقتصادياً يوفر فرص عمل لآلاف الشباب، سواء بشكل مباشر من خلال البيع والصيانة، أو بشكل غير مباشر عبر خدمات النقل والتوزيع والإكسسوارات.
إن فرض ضريبة قد تصل إلى نحو 30% من قيمة الهاتف يعني عملياً زيادة كبيرة في الأسعار يتحملها المستهلك في نهاية المطاف. فالتاجر، مهما حاول التكيف مع هذه السياسات، لا يستطيع تحمل عبء ضريبي بهذا الحجم دون أن ينعكس ذلك على السعر النهائي. وهكذا يجد المواطن نفسه أمام واقع جديد تصبح فيه وسيلة أساسية من وسائل الحياة الرقمية أكثر صعوبة في المنال.
ولا يتوقف تأثير هذه الإجراءات عند المستهلكين فقط، بل يمتد إلى العاملين في هذا القطاع. فقد أدى الركود الذي أصاب السوق منذ الإعلان عن هذه السياسات إلى تسريح عدد كبير من العمال والشباب الذين يعتمدون على هذا النشاط كمصدر رئيسي للدخل. وفي ظل ارتفاع معدلات البطالة وضعف القدرة الشرائية، فإن أي تضييق إضافي على قطاع اقتصادي نشط قد يؤدي إلى مضاعفة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية على فئات واسعة من المجتمع.
ومن أكثر الجوانب التي أثارت الاستغراب توسيع نطاق هذه الإجراءات ليشمل ملاحقة الهواتف المستعملة الموجودة لدى المواطنين أو التي يجلبها المغتربون، بهدف إخضاعها للجمركة. فمثل هذه الخطوات تبدو بعيدة عن روح السياسات الاقتصادية الحديثة التي تسعى عادة إلى تشجيع الوصول إلى التكنولوجيا وتسهيل انتشارها، خاصة في الدول النامية التي تحتاج إلى تعزيز اندماجها في الاقتصاد الرقمي.
وهنا يبرز سؤال أساسي حول فلسفة السياسة الضريبية: هل الهدف هو تعظيم الإيرادات الضريبية بأي ثمن، أم تحقيق توازن عادل بين حاجة الدولة إلى الموارد وحاجة المجتمع إلى الاستقرار الاقتصادي؟ فالدول الناجحة اقتصادياً تسعى عادة إلى توسيع القاعدة الضريبية من خلال تنشيط الاقتصاد وتحفيز الاستثمار، لا عبر فرض أعباء إضافية على قطاعات حيوية تمس الحياة اليومية للمواطنين.
إن الهاتف الذكي اليوم لم يعد سلعة كمالية يمكن الاستغناء عنها بسهولة، بل أصبح أداة أساسية للاندماج في العالم الرقمي الحديث. ولذلك فإن السياسات الاقتصادية الحكيمة ينبغي أن تراعي هذه التحولات، وأن تسعى إلى تشجيع انتشار التكنولوجيا بدلاً من جعلها أكثر صعوبة في الوصول.
وفي النهاية، تبقى مسؤولية تحقيق التوازن بين متطلبات الدولة المالية وحقوق المواطنين مسؤولية كبرى تقع على عاتق صناع القرار. فنجاح أي سياسة ضريبية لا يقاس فقط بحجم الإيرادات التي تحققها، بل أيضاً بمدى قدرتها على حماية الاقتصاد الوطني وتعزيز فرص العمل وتحسين مستوى حياة المواطنين.
محمد محمود الزايد
